الدكتورة مكارم الديري تتحدث عن التحديات والمواجهة

عالم الأسرة » شؤون عائلية
14 - شوال - 1424 هـ| 09 - ديسمبر - 2003


الدكتورة مكارم الديري تتحدث عن التحديات والمواجهة والحياة المشتركة..

 

القاهرة ـ وفاء سعداوي:

ما أكثر أولئك الذين يكيدون للمرأة المسلمة.. وما أكثر الذين يريدون النيل منها؛ فيدبرون لها ليل نهار، يريدونها سلعة تباع وتشترى، تتخبطها الشهوات وتغرق في مستنقع الرذائل.. حول تلك المؤامرات التي تحاك للمرأة المسلمة والتحديات التي تواجهها كان لنا هذا اللقاء مع الدكتورة "مكارم الديرى" ـ الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بجامعة الأزهر ـ نتناول فيه العديد من قضايا التي تهم المرأة والأسرة المسلمة.

 

: ما هو تقييمكم للمرأة المسلمة اليوم؟

يشهد المجتمع تحولاً كبيراً في حياة المرأة المسلمة يتمثل في حرصها على معرفة دينها والالتزام بتعاليمه والإقبال على التفقه، وأيضا الإقبال على حضور حلقات العلم في المساجد والحرص على إلحاق أبنائها بدور العلم الإسلامية؛ طاعة لله وعملا بالإسلام في حياة أسرتها وتربية أبنائها.

ولا يقتصر دورها عند حد حياتها الخاصة وأسرتها الصغيرة بل تنطلق إلى بنات جنسها فتدفعهن إلى الالتزام بدينهن وجعله نبراساً يهتدين به في مجالات الحياة المختلفة، فهي تدرك تماماً أن رسالتها إنما هي رسالة إيجابية مثمرة؛ ولذلك فهي تحرص على تعليمها وتعتبره فريضة على كل مسلم ومسلمة، مما يساعدها على الارتقاء بمجتمعها في مجالات التنمية المختلفة.

تحديات تواجه المرأة

: وما هي أخطر التحديات التي تواجه المرأة المسلمة اليوم؟

تواجه المرأة المسلمة اليوم تحديات عديدة وخطيرة تقتل في نفسها الطموح إلى الأفضل، فهي تحارب في دينها وقيمها بفرض أنماط من السلوك والأوضاع المتناقضة مع قيمنا الإسلامية والمخالفة لشريعتنا، وذلك فيما يتعلق بشكل هذه القيم الرفيعة وجوهرها؛ فتوصم بالتطرف والجمود والرجعية إذا التزمت بدينها مظهراً ومخبراً، فهي متطرفة في زيها الواسع الفضفاض، ومتطرفة في رفضها الاختلاط والتبرج الممجوج، متعصبة في دفاعها عن قضايا المسلمين، ومتزمتة في حرصها على تلقين أولادها مفاهيم الإسلام، بينما يكون النموذج الغربي غير المسلم هو الاعتدال المقبول الذي يجب على أبنائنا ونسائنا الالتزام به.

 ويقدم الإعلام المرئي نماذج مبتذلة للمرأة في أفلام للجنس والإثارة فقط، فضلاً عما يقدمه من مواد إعلامية تفرض أنماطاً سلوكية وعادات اجتماعية لا تعبر عن واقعنا الاجتماعي والأخلاقي، بل وتعالج مشاكل المرأة فيما يتعلق بنظام الأسرة والعلاقة الزوجية من زواج وطلاق وعمل المرأة تعالج هذه المشاكل بأسلوب يختلف تماما عن أدبياتنا وشريعتنا.

ومن التحديات التي تواجه المرأة إعداد الوثائق والمؤتمرات العالمية والمحلية الخاصة بالمرأة؛ لتنأى بها بعيداً عن دينها، وتحطم كل ما يمت إلى شريعتنا من ضوابط، وتُعقد هذه المؤتمرات تحت شعارات زائفة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب مثل المساواة بين الرجل والمرأة، التنمية، إلى التدرج في مفهوم المساواة من المساواة في الحقوق الإنسانية إلى المساواة في النوع وإلغاء الفروق التكوينية بين الجنسين؛ فتحث المرأة على الحياة المستقلة التي تعاشر فيها من تشاء، وتشجع على الإجهاض كوسيلة من وسائل تنظيم الأسرة، كما تنادي بتعدد أشكال الأسر (بلفظ الجمع) وليس الأسرة التقليدية المعروفة والمكونة من رجل وامرأة فقط بل قد تكون الأسر من رجلين أو امرأتين، ويكون الإنجاب بالتلقيح الصناعي وتأجير الأرحام.

كما تشجع أيضا وتطالب بالتقاضي عن النشاط الجنسي للمراهقين والمطالبة بالعلاقات الجنسية الحرة.

وخلاصة القول أن مثل هذه المؤتمرات تسعى إلى تحطيم الكيان الأسري وفرض أنماط للحياة الغربية على المجتمعات ثبت فشلها في مجتمعاتهم التي ذابت فيها معالم البيت والأسرة وحرمة الحياة الزوجية وانتشر الشذوذ والأمراض الخطيرة، مع زيادة معدلات الجريمة والانتحار، وتلك هي تداعيات نظم اجتماعية فاشلة لا تحترم إنسانية الإنسان وتقزز من قيم الخير التي فطر عليها الإنسان، قال تعالى: )صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ(.

 كيفية المواجهة

: وكيف تواجه المرأة المسلمة مثل هذه التحديات؟

لمواجهة مثل هذه التحديات يلزم أن تكون المرأة واعية لفهم دينها فهماً شاملاً وتجعله منهاجاً تؤمن به وتحوله إلى واقع في حياتها؛ لقول الله تعالى: )قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(.

وعليها الاهتمام الدائم بتربية أولادها وغرس القيم والأخلاق الإسلامية فيهم وتحصينهم ضد الغزو الغربي الوافد عبر الإعلام والاهتمام بحفظ القرآن وتعليمهم لغة القرآن وعدم الانسياق وراء المدارس التغريبية والاهتمام باللغات الأجنبية؛ لأنها وسيلة خبيثة لتغريب عقول أبنائنا.

: وما دور المرأة تجاه مجتمعها؟

على المرأة المسلمة أن تسعي إلى التآلف والترابط مع الآخرين ممن يعينونها على طاعة الله وحسن الصلة به، وبذلك يأمرنا الله عز وجل )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ( فإن ذلك يقوي الروابط ويحث على العمل من أجل صلاح الأفراد فتذكرهم إذا نسوا وتعظهم إذا غفلوا وتعينهم إذ وهنوا.

وعلى المرأة الثقة بأن منهج الله هو أكمل النظم وأتم التشريعات التي تقوم بتنظيم حياة البشر وحاجتهم إليه لضمان سلامتهم واستقرارهم والفوز بالطاعة.

وإن الثقة بمنهج الله تحصن المرأة أمام تحديات عصرها من طغيان الحياة المادية وفسادها.

وعلى المرأة المسلمة أن تفهم حاجة المجتمع وضروراته وأهم قضاياه ورصد مشكلاته من أجل المساهمة في تنميته والنهوض بالمرأة فيه؛ فتساهم في حل مشكلة أمية المرأة، وتساعد الفتيات على ممارسة الأشغال اليدوية والحرف المنزلية؛ ولهذا يجب تشجيع الأسر المنتجة وإقامة المعارض الخيرية ومحاولة إيجاد مشروعات صغيرة لمساعدة ربة المنزل على توفير احتياجاتها، وعليها أيضا أن تعين الزوجات على تربية أبنائهن تربية راشدة بتقديم العون والنصيحة والوقوف على أحدث الوسائل التربوية في ذلك، كما يجب عليها أن تقوم بنصح الزوجات وحثهن على التأسي بأمهات المؤمنين وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ فإن من أهم مشكلات الحياة الزوجية وفشلها هو جهل الزوجة والزوج لحقوق وواجبات كل منهما نحو الآخر، وقد حدد المشرع الحكيم هذه الحقوق وتلك الواجبات وهي تعتمد أساساً على العدل والإنصاف وفي جوهرها على المودة والرحمة.

: وما دور المرأة المسلمة تجاه أسرتها؟

صلاح الأسرة أساس صلاح المجتمع وتماسكه وصلابته وعلى المرأة العبء الأكبر في نجاح حياتها الزوجية ورعاية أسرتها؛ فهي التي يجب أن تسعي لحسن التعاون والتفاهم مع زوجها فلا تحكمها الأهواء وتفسدها الرغبات، وأن تهتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته وبناته، وهي التي ترعى أولادها وتربيهم على منهج الإسلام الرشيد فيجب عليها أن تتخذ الأسلوب العلمي في تطبيق هذا المنهج منذ نعومة أظفارهم فتلاحظ سلوكهم وترشدهم إلى حسن اختيار الأصدقاء وتتابعهم بمنهج علماء المسلمين في تربية الأطفال، وكذلك يجب الاطلاع على أحدث الوسائل في التربية وهي علي بصيرة من شرع الله.

حياة مشتركة

: في رأيك ما السبب وراء انتشار ظاهرة الخلافات الزوجية في المجتمعات العربية؟

يرجع تصاعد الخلافات الزوجية وارتفاع نسبة الطلاق إلى عدة أسباب، أهمها:

اختلال بعض الموازين الاجتماعية في النظر إلى الزوجين كل منهما بمعزل عن الآخر وليس كزوجين ترتبط مصالح كل منهما بالآخر في بناء حياة زوجية مشتركة تتولى رعاية رجال ونساء المستقبل، فقد يحدث أن تسعى المرأة للحصول على قدر من المكاسب كفرد مستقل بمعزل عن حقوق أسرتها، وقد ساعد على هذه النظرة تدخل بعض المنظمات والهيئات المعنية بالمرأة بزعم المساواة والدفاع عن حقوقها فأوعزت إليها بالنظر إلى الرجل كخصم حقيقي يجب الانتصار عليه وانتزاع حقوقها المسلوبة منه. ومن أسباب تصاعد الخلافات أيضا: افتقاد روح التعاون من الأزواج نحو زوجاتهم، وخصوصاً في متابعة الأولاد دراسياً أو بعض الأعمال المنزلية، خاصة الزوجة العاملة، فعلى الزوج أن يسعى إلى المعاونة في ذلك عن طيب نفس منه وأدب واحترام منها فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله: "كان يرقع ثوبه ويصلح حذاءه".

ويعتبر عمل المرأة من أسباب تصاعد الخلافات الزوجية، وذلك حين تعطي بعض الزوجات لعملهن الاهتمام الأكبر على حساب علاقتهن بأزواجهن وأبنائهن، ومن الأسباب أيضا: فقدان التوازن بين الموارد الاقتصادية والحاجات المادية للأسرة سبب سوء استخدام هذه الموارد، وتطلعها إلى الأساس الضخم والكماليات الأخرى ولتعي نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم: "انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزودوا نعمة الله عليكم"، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمر عليه الهلال ثم الهلال ولا يوقد في بيته نار، وكان يربط على بطنه من شدة الجوع، وفي عام الرمادة حرم عمر على نفسه السمن، وقال لبطنه: "قرقري أولا تقرقري لن تذوقي السمن حتى يذوقه فقراء المسلمين".

قوامة الرجل عدل

: وماذا تقولين لمن يرفضون قوامة الرجل على المرأة؟

قوامة الرجل على المرأة عدل شرعي واحتياج فطري فقوامة الرجل على الأسرة تحدده دواعي الفطرة والاستعداد والموهبة والعدالة في توزيع الأعمال بينهما وفقاً للوظائف التي تناسب هذا الاستعداد لذلك جاءت الآية الشريفة مصداقا لهذا الدور: )بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ(. والقوامة في اللغة هو الذي يقوم القوم ويسوس أمورهم، ومن ذلك قوله تعالى: )الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء(. ويمكن أن نؤكد ما أكده الباحث الأمريكي "استيفن جولد نيرج" في كتابه: "حتمية النظام الأبوي" إذ لاحظ تأثير هرمونات الذكورة على الجنين الذكر في رحم أمه، وبعد ميلاده فيميل إلى العنف أكثر من الإناث، ويظهر ذلك قبل أن تؤثر فيه العوامل الاجتماعية، ولاحظ الباحث الأمريكي أيضاً الفروق التي توجد بين المرأة والرجل لا ترجع فقط إلى الاعتبارات الظاهرة، بل ترجع إلى التباين في تكوين الأنسجة، وتشرب العظم الجسماني كله بمواد كيماوية، فعينة كل خلية من خلايا المرأة تحمل بصمات الأنوثة، والأمر نفسه ينطبق على أعضاء جسدها ونظامها العصبي مما يجعلنا نلاحظ أن القدرة الإلهية جعلت الرجل يتمتع بالقوة والمرأة تتصف بالنعومة.

إبداع المرأة المسلمة

: ما هو سبب ندرة العناصر النسائية المبدعة اليوم وكيف نربي كوادر نسائية تواجه العلمانيات؟

المرأة المسلمة هي مبدعة بنفسها؛ لأن الطاعة لله عز وجل توسع مدارك المرأة وفهمها للحياة وتنمي في نفسها روح الإبداع والابتكار فالله تعالى يقول: )اتقوا الله ويعلمكم الله..( فتقوى الله تورث العلم النافع.. فهناك ملايين المسلمات أصحاب علم وقدرات إبداعية مبهرة، لكن الإعلام لا يظهر إلا العلمانيات، بالإضافة أن المرأة المسلمة محكومة بقيم أخلاقيات إسلامية تمنعها من إظهار قدراتها في ظل هذا الإعلام الفاجر الذي يبحث عن إثارة الغرائز والشهوات فقط لا غير.

توبة الفنانات

: ما رأيك في ظاهرة الفنانات التائبات والهجوم الإعلام المستمر على المرأة المسلمة والمحجبات؟

انتشار الحجاب ظاهرة عالمية ربانية.. الله الذي تكفل برعايتها ونموها، فوسط الحملة الأمريكية المذعورة على الإسلام والمسلمين بعد الحادي عشر من سبتمبر انتشر الحجاب في أمريكا والغرب، ودخلت المئات من الغربيات الإسلام رغم هذه المحنة التي يعيشها المسلمون هناك.. فليس بغريب أن ينتشر الحجاب في بلاد الإسلام. والفنانات التائبات جزء من مجتمعنا الذي حاد عن شرع ربه واليوم يعود إلى الإسلام ليجد فيه ضالته وراحته، أما أولئك الذين يحاربون الحجاب فإنهم يحملون الكراهية للإسلام نفسه وليس للحجاب.

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...