حبل الغسيل

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
25 - ربيع أول - 1427 هـ| 24 - ابريل - 2006


طفلة في الرابعة من عمرها تدندن وتطوف بأمها وهي تحمل سلة الغسيل لتنشره على الحبل وتقول: أعطني يا ماما. أعطني، أنا أحمل عنك. والأم في استغراب: ما سر هذا الابتهاج عند نشر الغسيل؟ ما سر هذه الفرحة؟ ما زالت البنت كالفراشة تطوف بأمها في عجل، وتأخذ القطع واحدة تلو الأخرى لنشرها، لكنها لا تصل إلى الحبل، بل تحملها أمها حتى تتمكن من نشر قطع الغسيل. وتجري أخرى لتعطي أمها بعضها لأنها أطول من قامتها، وتخشى أن تتسخ.

تثير اهتمامها تلك القطرات المتساقطة من الغسيل، تقوم بجمعها بيديها الصغيرتين، أو تضع رأسها تحت الغسيل، وتصرخ لكل نقطة باردة تقع على رأسها. تضحك الأم من صرخاتها. فتزيد من تلك الصرخات. أخذت تعد النقط المتتابعة من الغسيل. تعد من واحد إلى عشرة، ثم تسير بعدها الأعداد في ترتيب غير منطقي مع صرخة ترافق العدد عشرة. توقفت عن العد بعد أن سمعت شكر أمها لمعاونتها لها. طلبت منها الأم أن تعود معها إلى داخل البيت حتى لا تؤذيها الشمس بحرها. لكنها تجاهلت نداء أمها. كأنها ترقب مغادرتها.

أخذت تقفز كالأرنب، وتعد قطرات الماء تارة، وتارة تمسح بها وجهها. وحينما رأت أن أمها قد دخلت المنزل، مسحت يديها بفستانها. واستعدت لممارسة هوايتها المفضلة.

وهي الأرجحة بالحبل. قفزت مرة  تلو أخرى لكنها لم تستطع الوصول إلى الحبل، جذبت إحدى قطع الغسيل. حتى تمكنت من إحكام قبضتها عليها فهبط معها الحبل إلى مستوى يديها. أمسكت الحبل بيد ووضعت اليد الثانية على الحبل أيضاً وتعلقت به، فارتفع بها، وتكاد تنقطع أنفاسها فرحة، ثم أخذت تتأرجح وترتفع قدماها عن الأرض، وتنظر إلى السماء، فتؤذيها الشمس، وتنظر إلى الطيور، وتظن أنها قريبة منها وسعيدة بها.

لم يعد لقدميها أي ارتباط بالأرض. ها هي تتحرك إلى الأمام والخلف، معتمدة على قوة ذراعيها، وقد نسيت كل ما حولها، وذهلت بأرجوحتها. التي أنعشتها بقطرات الماء، والهواء البارد. أخذت تعبر عن فرحها بضحكات هستيرية.

وفي قمة سعادتها وتحليقها في الهواء إذا هي تشعر بأن وزنها قد ازداد. حتى شعرت أنها أثقل من الحديد. وكأنها تحمل الغسيل كله بيديها. حاولت التخلص من الحبل. فإذا هو قد سبقها وتخلص من أوتاده. وهوى بها أرضاً مع أكوام الغسيل.

صرخت وتألمت لوقوعها أرضاً. لكنها في حالة ذهول. لا تدري أتبكي من الألم، أم تبكي للكارثة التي أحدثتها؟ تمالكت نفسها حتى تستطيع أن تتحمل تبعات الموقف. لم تتح الفرصة لدموعها أن تجري على خدها. أخذت تنشف عينيها بتحريك رأسها في الهواء. ثم وضعت يديها على وسطها وأخذت تنظر إلى الغسيل وهو ممدّد على الأرض. وحاولت تخليص إحدى القطع من الحبل ورفعها من الأرض. جذبتها فلم تستطع تخليصها من الحبل. حاولت في قطعة أخرى. لم تستطع أيضاً. ثم اهتدت لفكرة رفع الحبل. أمسكته حاولت أن ترفعه فأخفقت.

في أثناء محاولتها، فوجئت بعودة أمها. ألقت الحبل من يدها وشهقت... ماما... ماما. ثم نفضت يديها وأخذت تحك ظهرها بيد وتبعد شعرها المنكوث عن عينيها باليد الأخرى. إشارة إلى أنها تتألم. لتستدرّ عطف أمها. نظرت الأم في حكمة إليها وقرأت الخوف، والأسف، في عينيها. واطمأنت إلى أنها بخير. ثم كررت النظر في هدوء إليها وإلى الغسيل والحبل. دون أي حوار أو صراخ أو نظرات جارحة في محاولة لأن تتمالك نفسها من ردة فعل قد تفسد أكثر مما تصلح.

كم كانت الصغيرة تتمنى أن تعاقبها أمها على خطئها. لكن الأم لم تفعل بل اكتفت بتلك النظرة، وهي تكظم غيظها، وتدرك مدى انزعاج ابنتها، وأنها لا يمكن أن تقصد أن تسقط الغسيل.

وفي لحظة ترقب الصغيرة للعتاب أو العقاب، إذا الأم تحضر سلة الغسيل وتضعها أمام ابنتها، وتقترب منها، وتجلس في مستوى ابنتها، وتمسك بعضدها، وتضع يدها الأخرى على صدرها لتتحسس قلبها، وهو يكاد ينفطر فزعاً، وترمقها بنظرات حانية لتهدئ من روعها، وتقول: الحمد لله على سلامتك. تعالي لنصلح الذي فسد.

ارتمت الصغيرة في حضن أمها تبكي، وتقول: سامحيني يا ماما، سامحيني، لن أعود مرة أخرى لفعلها. وسوف أشتري لك حبلاً غيره، قوياً متيناً. وسوف أقوم بغسل الملابس. والأم تربت عليها في حنان وتمسح ما علق بها من أتربة. وتلقي نظرة على ابنتها عن قرب لتتأكد من سلامتها، وتقول: سوف أساعدك في إصلاح ما فسد. فانطلقت الصغيرة تجري لجمع الغسيل بمعاونة أمها.

الأم تبتسم لأنها اهتدت إلى علاج الموقف بطريقة تتعلم منها ابنتها التسامح والتعاون، وأعذار الآخرين، وعدم اتهام الناس، والدخول في نواياهم، وتركهم ليقولوا كلمة الصدق، دون تكذيب، وعدم تأزيم الموقف، ورحمة المخطئ من العتاب إن كان قد شعر بخطئه وتهيّأ لإصلاحه، وتركه يتحمل نتائج خطئه. ومساعدته إن لم يكن في إمكانه فعل ذلك وحده. وعدم الاكتفاء بأسلوب واحد لعلاج المشكلات. وكل منا معرض للوقوع في الخطأ، ولكل شخص ما يناسبه من أسلوب لعلاج المشكلة.

وترك العقاب يُعدّ أيضاً نوعاً من أنواع العقاب.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- مناااااااااال - السعودية

28 - ربيع أول - 1427 هـ| 27 - ابريل - 2006




موضوع رائع 00جزاك الله خيرا00فالخوف قد يضر الطفل طوال حياته لأنه ربما يثبت عنده الخجل

-- ميسم -

03 - ربيع الآخر - 1427 هـ| 02 - مايو - 2006




ممتاز

-- amal - مصر

02 - رجب - 1427 هـ| 28 - يوليو - 2006




نشكركم على الموضوعات المفيدة للنساء العربيات نفس هذا الموضوع حدث معى وابنى الذى يبلغ السابعه حيث انه يفتح الثلاجه بشده ويغلق بابها بشده ونبهت عليه كثيرا حتى لا يضر الثلاجه ولكن لا حياة لمن تنادى الا انه فى احد المرات عند شد باب الثلاجه سقطت زجاجة ماء كبيره من الباب تكست وامتلا المكان بالماء والزجاج اسرعت له فاذا به واقف مكانه مرعوب من العقاب وخائف من التحك حتى تجرح قدمه ابتلعت ثورتى ومسحت دموعه وانتشلته لخارج المكان وبدات فى تنظيف المكان ثم احضرت له الماء الذى كان يريده وجدته يعتزربشده وانه لن يفعلها ثانيا ومن يومها لم يفعل ذلك تعمت ان العقاب هو الاحساس بالخطا وليس الضرب وخلافه فى النهايه اشكركم وارجوان تنفعكم قصتىوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

-- حصه -

09 - صفر - 1431 هـ| 25 - يناير - 2010




مششكوورة استآذه

-- cute girl - السعودية

12 - محرم - 1432 هـ| 19 - ديسمبر - 2010




شكرا على المقال ف . ف

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...